بمناسبة الوفد الرفيع الذي بعثه خادم الأمة الشيخ محمد الماحي إبراهيم إيناس إلى غيدي بوسو لتقديم واجب العزاء إلى أسرة الشيخ امباكي بوسو، أحببت أن أستحضر شيئًا من صفحات العلاقة القديمة التي جمعت بين البيتين، وهي علاقة لم تكن وليدة اليوم، بل ترجع إلى صلة وثيقة بين الشيخ عبد الله إيناس والشيخ مباكي بوسو، وعلاقاتهما أطول من هذا المقال ولاكنها امتدت بعد ذلك إلى أبنائهما وأحفادهما.
وقد كان الوفد مكوّنًا من:
1- الشيخ محمد المصطفى بن الخليفة الشيخ محمد الماحي الشيخ إبراهيم نياس، خادم الأمة.
2- الشيخ سيدي علي نياس بن الخليفة المرحوم الشيخ أحمد دام بن الشيخ إبراهيم نياس.
3- الشيخ أحمد التجاني المقدم.
4- الشيخ أحمد التجاني نياس، مسؤول شؤون الإعلام لسماحة الخليفة.
5 والسائق الخاص بالشيخ محمد الماحي إبراهيم
وهذا الوفد الرفيع ليس مجرد أداء لواجب اجتماعي، وإنما يحمل في طياته معنى أعمق، إذ يجدد صلة قديمة بين بيتين عرفا الود والتقدير والتواصل العلمي.
ومن أبلغ ما بقي شاهدًا على علاقة الشيخ امباكي بوسو بالشيخ عبد الله إيناس ما قاله فيه من رثاء:
“ما ليثُ غيلٍ مِثل عبدِ اللهِ في
يومِ الحروبِ الباسِلِ المِقدامِ”
ثم استمرت هذه الصلة مع أنجال الشيخ عبد الله، وخصوصاً شيخ الإسلام الحاج إبراهيم إيناس، الذي كان يكن للشيخ مباكي بوسو تقديرًا كبيرًا، وكان يعده من كبار العلماء، حتى قال الشيخ برهام جوب إن الشيخ إبراهيم لم يكن يذكره إلا ويقول: “العلامة”.
ومن أقدم ما يحفظ من هذه الصلة رسالة بعث بها الشيخ إبراهيم إيناس إلى الشيخ مباكي بوسو، يسأله فيها عن جده محمد مصمب تيام، وعن الذين أخذوا عنه العلم. وكان ذلك في أواسط شعبان سنة 1362هـ، حين كان الشيخ إبراهيم لا يزال في مقتبل عمره، فكتب إليه الشيخ مباكي بوسو من غيدي إلى كولخ، وهذه نص الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
من قرية غيدي أواسط شعبان المكرم عام ١٣٦٢ هجرية إلى مدينة كولخ حرسها الله.
أما بعد فقد “ورد الكتاب فلا عدمت أناملا”¹ وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته أيها الولد البار ونجل السادة الكرام البررة، الحاج إبراهيم بن الحاج عبد الله إيناس كان الله له وتولانا وإياه، يليه إعلامك بأني مسرور ببراوتك اللذيذ الخطاب، وما معها من الهدية المقبولة المرضية، فجزاكم الله تعالى عنا خيرا ووقاكم هما وغما وضيرا، هكذا بر الأبناء بالآباء، فيرجى لهم نيل البركات. “هكذا هكذا وإلا فلا لا” البيت².
أما ما ذكرت فيها من التحابب في الله تعالى فاعلم يا بني أن ذلك شيء ورثتموه من الآباء الأولين. هكذا كانوا مع أصولنا الأقدمين، وأرجو من الله أن يديم ذلك بين الذرية أجمعين.
قال:
ورثنا من الآباء حفظ ودادكم
ونحن إذا متنا نورثه الأبناء
وأما التماسك منا صالح الدعاء فإني التزمت ذلك لجميع المسلمين حيث كانوا، ولاسيما من قام بإحياء السنة الغراء مثلكم، فلا عدمناكم ولا عدمنا بركتكم.
وأما الذين أخذوا عن جدكم محمد صمب تيام حتى تصدروا فخلق كثير؛ كلهم ظهرت فيه بركاته وأنواره وسرت فيه بالمعاينة أسراره. وبالجملة فعلماء أهل هذا القطر جلهم أخذوا عنه، إما مباشرة أو بواسطة عنعنة تنتهي إليه. فجزاه الله عن الإسلام وعن أهله خيرا.
ومن مشاهير الآخذين عنه مباشرة مهرم، جد هؤلاء البكيين، وعنه أولاده الأعلام، وعنهم خلق كثير ممن عاصروهم. وهكذا إلى هلم جرا وذريته من سمعتم ومن رأيتم.
وقد كتبت فيهم حادثة حدثت هنا هذا العام ما فيه جوابك الشافي الغليل، وعسى أن تجده بأيدي النقلة إن شاء الله.
ومن مشاهير من تيقنت أنهم شاركوا الجد المذكور في الأخذ عنه، إلا أنه لم يبلغنا أنه زاد عليه غيره من الشيوخ دونهم، جد الككيين المختار جوب الطائر الصيت في هذا القطر البعيد عن مصادر العلوم الشرعية، إذ لم يدخله من معادن العلم إلا أفراد من علماء الشرق المغربيين، وممن شاركهما فيه “دِمْبَ فَالْ” جد آل “بِرْ” Pir وبانيه.
وممن في عصر هؤلاء ملامين صار الشهيد بسبب حدث الجهاد بين مسلمي هذا القطر وفساقه.
وممن عاصرهم “مَكُمْبَ لَيْ” باني السين الأول. وكان مدرسا شهيرا كثير الكتب. ولما بلغه رجوع المختار جوب باني كُكِّي من أرض الساحل بفنون لم تكن محررة هنا قبله ارتحل إليه مع من كانوا يقرأون عليه. ومن جملتهم “لَيْ كَنْ” باني السين الثاني. فبقي هو عند المختار حتى تصدر ثم رجع وبنى مدينته قرب شيخه الأول وخلق لا يحصون لعدم اعتنائهم بتدوين الوقائع الزمانية، ولعل همتكم العالية بتوفيق الله تنفي تلك الغفلات.
هذه الرسالة وحدها تكشف شيئًا بالغ الأهمية في طبيعة العلاقة بين الشيخين؛ فالشيخ مباكي بوسو يخاطب الشيخ إبراهيم، وهو يومئذ شاب، بقوله: “أيها الولد البار”، ثم يقول له: “يا بني”، ويصفه بأنه من الذين يشتغلون بإحياء السنة الغراء، ويرجو أن تدفع “همته العالية” إلى تدارك ما ضاع من الوقائع والتاريخ. وهذا ليس مجرد خطاب مجاملة، وإنما فيه نظرة إلى شاب رأى فيه الشيخ مباكي بوسو من النباهة والهمة ما جعله يتوقع له مستقبلا كبيرا.
والأجمل من ذلك أن الشيخ مباكي بوسو لم ينظر إلى هذه المودة باعتبارها علاقة مستحدثة بين شخصين، بل ردها إلى أصل أقدم، فقال للشيخ إبراهيم: “فاعلم يا بني أن ذلك شيء ورثتموه من الآباء الأولين”، ثم استدلّ بذلك ذلك في قول الشاعر :
“ورثنا من الآباء حفظ ودادكم
ونحن إذا متنا نورثه الأبنآ
فكان يرى أن المودة بين البيتين إرثًا معنويًا ينبغي أن يحفظه الأبناء كما حفظه الآباء.
وكان الشيخ إبراهيم بدوره يحفظ لهذه الرسالة مكانتها. وفي سنة 1969م كان يقدم هذه الرسالة إلى خليفة جده آنذاك، ويقول له: “هذا ما قاله العلامة الشيخ امباكي بوسو في جدك”، ثم يشرح له بنفسه ما ورد فيها من كلام الشيخ امباكي بوسو عن جده محمد مصمب تيام، وعن العلماء الذين أخذوا عنه، وما يتصل بذلك من الأسماء والأنساب والأعلام.
وقد كتب الشيخ إبراهيم ذلك التعليق في الدار البيضاء في رجب سنة 1389هـ، وجاء فيه:
“الحمد لله
تعليق على رسالة الشيخ العلامة بقية السلف المؤرخ الكبير محمد امباكي بص ابن خال الشيخ أحمد بمب البكي، قوله الذين أخذوا العلم عن جدكم محمد مصمب تيام فهو جدي من جهة أمي وجد والدي أيضا من جهة أمه، وقوله مهرم هو عمود نسب البكيين ابنه حبيب الله ابنه محمد عنت ابنه أحمد بمب المعروف والمختار جد كُكِّيُّ الدار كما بين في نظمه في النحو ومحمود فال الذي ذكر هو معلم الشيخ عمر الفوتي وقوله باني الصين يعني جد من لقبوا بِسِهْ، ومنهم الحاج مالك، قاله معرفا به عارفه إبراهيم بن الحاج عبد الله ايناس.”
ومن هنا يتضح أن الرسالة كانت حاضرة في ذاكرة الشيخ إبراهيم ووعيه العلمي، وأنه كان يقدمها إلى خلفاء جده باعتبارها شهادة من عالم كبير في تاريخ أسرتهم، لا مجرد رسالة شخصية قديمة.
ولم تكن مكانة الشيخ مباكي بوسو عند الشيخ إبراهيم مرتبطة بهذه الرسالة وحدها. فقد كان يستشهد بكلامه في مؤلفاته، ومن ذلك ما أورده في كتابه “تحفة أهل الحاضرة بما ينفع الحاج سيما في الطائرة” من أبيات للشيخ امباكي بوسو في مسافة القصر، ومنها:
أفتش “قدر الميل بالمتر إن تسر
وزد “قد” من الأمتار “إع” كيلو واقصر
فأميال حد القصر “حُم” وفراسخه
“يَوٌ” فتذاكر في العلوم وذكر
” ودمت “من الأمتار “أيق” لدرجة
تلت مائة مِلمتر فافهم وأخبر
وتلك من الأميال سبعون أتبعت
بخمسة أميال وإن شئت فاسبر
ومن فرسخ عشرون من بعد خمسة
فحصل ونافس في العلوم وحرر
إلى آخره.
كما كانت بين الشيخ إبراهيم إيناس والشيخ الحسن بوسو، نجل الشيخ مباكي بوسو، علاقة وثيقة. وكان الشيخ الحسن قريبًا من سن الشيخ إبراهيم، وقد كان يزوره في كولخ، مع أنه لم يكن كثير السفر، وذلك لكونه والد نائب الشيخ امباكي بوسو في التعليم ، ومن القائمين بالتدريس عنه.
ولما توفي الشيخ الحسن بوسو، خرج الشيخ علي سيسي والشيخ عبد الله إبراهيم إيناس من مدينة الشيخ إبراهيم لتقديم واجب العزاء، وهو ما يكشف عن استمرار المودة بين البيتين بعد وفاة الشيخ امباكي بوسو.
وقد كتب الشيخ إبراهيم إيناس تقديمًا لكتاب الشيخ الحسن بوسو “تمرين الأطفال قبل أن تجب عليهم الأعمال”، فقال:
“الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى
أما بعد
فقد وقفت على ما جمعه الولي الصالح والنور الواضح أخي فى الله وحبيبي العلامة سيد الحسن بن الأستاذ الأكبر العلامة محمد بك بص المرحوم فوجدته كفاية الطالب، ومفتاح المطالب، لا لأطفال فحسب، بل وللرجال وأهل المراتب، فجزى الله مؤلفه أحسن الجزاء ومتعنا بطول بقائه ذخرا للإسلام وبهجة وفخرا واهتزازا ءامين والسلام
أخوه المخلص فى حبه فى الله إبراهيم بن الحاج عبد الله الكولخي لطف الله به ءامين”
وهذه الكلمات تكشف بجلاء كيف كان الشيخ إبراهيم ينظر إلى الشيخ الحسن بوسو: “أخي في الله وحبيبي العلامة”، كما تكشف في الوقت نفسه استمرار ذلك الود الذي بدأ بين الشيخ عبد الله إيناس والشيخ امباكي بوسو، ثم انتقل إلى أبنائهما.
وليس غريبا، بعد هذا كله، أن يستمر التواصل بين البيتين إلى يومنا هذا. فالصلات التي أسسها العلماء لا تنتهي بانتهاء أعمارهم، وإنما تنتقل إلى أبنائهم إذا حفظ الأبناء وداد الآباء.
ولهذا فإن الوفد الذي بعثه خادم الأمة الشيخ محمد الماحي إبراهيم إيناس إلى غيدي بوسو يحمل دلالة خاصة؛ فهو يأتي في سياق تاريخ طويل من الاحترام والمودة والتواصل بين آل إيناس وآل بوسو، ويعيد إلى الأذهان ذلك البيت الذي كتبه الشيخ امباكي بوسو قبل عقود طويلة:
“ورثنا من الآباء حفظ ودادكم
ونحن إذا متنا نورثه الأبناء”
نسأل الله أن يطيل عمر الشيخ محمد الماحي إبراهيم، وأن يحفظ هذه المودة بين البيتين، وأن يوفق أبناءهما وأحفادهما إلى حفظ ما ورثوه من الآباء من الوداد والمحبة وصلة العلماء.
وكذلك نسأله سبحانه أن يحفظ سرين غيدي بوسو وأسرة الشيخ امباكي بوسو جميعا، وأن يديم بينهم المحبة والصفاء، وأن يجعل هذه الصلات العلمية والروحية محفوظة في الأعقاب كما حفظها الآباء في الصدور.
¹ “ورد الكتاب فلا عدمت أناملا
عنيت به حتى تضوع طيبا
ففضضته وقرأته، فوجدته
لخفي أوجاع القلوب طبيبا
فكأن موسى قد أعيد لأمة
أو ثوب يوسف قد أتى يعقوبا”
² “هكذا هكذا وإلا فلا فلا
طرق الجد غير طرق المزاح”








